لماذا يخشى البعض المحامي؟

بقلم: تامر مجدي فوزي
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
لماذا يخشى البعض المحامي؟ سؤال يبدو غريبًا، لكنه يكشف جانبًا مهمًا من طبيعة مهنة المحاماة؛ فالناس لا تخشى المحامي لأنه يملك سلطة القبض أو الحكم أو العقاب، فهو لا يملك شيئًا من ذلك، وإنما لأن المحامي الجيد يملك شيئًا آخر لا يقل أهمية: يعرف القانون، ويعرف كيف يقرأ الواقعة، وأين يبحث عن الدليل، ومتى يتكلم ومتى يصمت، وما الإجراء الذي يجب اتخاذه وفي أي توقيت.
ولهذا ارتبطت المحاماة عبر التاريخ بأسماء تجاوز حضورها حدود قاعات المحاكم؛ من شيشرون في روما القديمة، الذي بقي اسمه رمزًا لفن المرافعة والخطابة القانونية، إلى المحامي الفرنسي جاك فيرجيس بما أثارته مرافعاته وقضاياه من جدل عالمي، وفي مصر ارتبط تاريخ المحاماة بأسماء كبيرة مثل مصطفى مرعي، ومرقس فهمي، ومكرم عبيد، وأحمد الخواجة، ورجائي عطية وغيرهم ممن لم تكن المحاماة عندهم مجرد مهنة، وإنما علم وفكر وحضور وقدرة على الدفاع عن الإنسان وحقوقه.
وربما لهذا السبب تحديدًا يشعر البعض بالقلق عندما يسمع جملة: «الطرف الآخر وكّل محاميًا»؛ لأن وجود المحامي يعني أن النزاع خرج من مساحة الانفعال والكلام المرسل إلى مساحة الحساب القانوني، وأن كل ورقة ستُقرأ، وكل تاريخ سيُراجع، وكل كلمة قد يكون لها أثر، وكل إجراء سيكون له رد.
المحامي المحترف لا يحتاج إلى رفع صوته ولا إلى التهديد، لأن قوته الحقيقية ليست في إخافة الخصوم وإنما في معرفة ما قد يغفلون عنه؛ قد يرى في سطر صغير بعقد ما لا يراه صاحبه في عشر صفحات، وقد يكتشف في ترتيب التواريخ ما يغير وجه النزاع، وقد يعرف أن مستندًا يظنه موكله هامشيًا هو مفتاح القضية، أو أن كلمة واحدة يريد موكله إرسالها في لحظة غضب يمكن أن تهدم موقفًا قانونيًا بُني على مدار سنوات.
ومن هنا يجب التفرقة بين الخوف من المحامي واحترام وجوده؛ فالمحامي ليس خصمًا للمجتمع ولا أداة للانتقام، والمحاماة الحقيقية لا تقوم على التهديد أو استعراض النفوذ، وإنما على المعرفة والحجة والإجراء الصحيح.
بل إن أخطر ما يواجه المحامي أحيانًا ليس قوة خصم موكله، وإنما خطأ ارتكبه موكله بنفسه قبل أن يصل إليه: توقيع على ورقة لم يقرأها، رسالة كتبها وهو غاضب، تسجيل حصل عليه أو تداوله دون أن يسأل عن مشروعية ذلك، حق حاول انتزاعه بنفسه، مبلغ دفعه دون سند، أو منشور ظن أنه سيضغط به على خصمه فإذا به يفتح عليه بابًا قانونيًا جديدًا.
عندها لا يعود السؤال فقط: كيف نسترد حقه؟ وإنما قد يصبح: كيف نعالج ما فعله أثناء محاولته استرداد هذا الحق؟
وهنا تظهر إحدى أهم قواعد الحياة القانونية التي لا يدركها البعض إلا متأخرًا: أن تكون صاحب حق لا يعني أن كل الوسائل أصبحت مباحة أمامك. القانون يحمي الحق، لكنه ينظم كذلك طريق الوصول إليه.
ولذلك قد يكون أهم ما يقوله لك محاميك في قضية كاملة ليس «سنرفع الدعوى»، وإنما: «لا تفعل ذلك».
لا ترسل هذه الرسالة، لا توقع هذه الورقة قبل مراجعتها، لا تنشر هذه المحادثة، لا تتصرف في هذا المال، لا تواجه خصمك بهذه الطريقة، احتفظ بهذا المستند، أثبت هذه الواقعة أولًا، وانتظر قبل اتخاذ الإجراء.
وربما تبدو تلك النصائح بسيطة، لكنها قد تمنع قضية قبل أن تولد.
وفي عصر أصبحت فيه حياة الإنسان محفوظة داخل هاتفه، ازدادت أهمية هذا الدور؛ رسالة واتساب، بريد إلكتروني، صورة، تسجيل، تحويل مالي، محادثة أو غير ذلك من صور الدليل الرقمي قد تصبح ـ متى استوفت شروطها القانونية ـ جزءًا من ملف قضائي، وقد يضغط الإنسان زر «إرسال» في ثانية ثم يقضي شهورًا أمام جهات التحقيق والمحاكم يشرح ماذا كان يقصد بتلك الثانية.
كذلك لا يوجد في القانون ما يسمى توقيعًا «روتينيًا» متى كان التوقيع يرتب أثرًا قانونيًا؛ فالعقد والإقرار والإيصال والتوكيل ليست مجرد أوراق، وإنما مراكز قانونية قد تعيش سنوات بعد اللحظة التي وُقعت فيها.
والمحامي الذي يراجع عقدًا ويحذف منه بندًا خطيرًا ربما لا يدخل محكمة ولا يحصل على حكم ولا يلتقط صورة بانتصار، لكنه قد يكون وفر على صاحبه سنوات كاملة من التقاضي، وهذه أيضًا محاماة، وربما تكون من أهم صورها.
والمحامي الكبير لا يقيس نجاحه بعدد الخصومات التي أشعلها، وإنما بعدد الحقوق التي حماها بأقل خسائر ممكنة؛ فليس كل نزاع يستحق دعوى، وليس كل إساءة تستحق ردًا، وليس كل استفزاز يستحق مواجهة.
وأحيانًا يكون الإنذار أفضل من القضية، والتفاوض أفضل من الخصومة، والصمت المدروس أقوى من عشر رسائل، والتسوية القانونية العادلة أنفع من حكم يأتي بعد سنوات.
وهناك حقيقة أخرى قاسية يعرفها أهل المهنة: الأحكام تستطيع أن تعيد حقوقًا كثيرة، لكنها لا تستطيع دائمًا إعادة كل شيء.
قد تحصل على البراءة، لكنك لا تسترد بسهولة الشهور التي عاشتها أسرتك خائفة. قد تسترد مالك، لكنك لا تسترد سنوات النزاع. قد تحصل على تعويض، لكن السمعة إذا أصابها الضرر قد تحتاج إلى وقت طويل حتى تتعافى. وقد تكسب القضية بعدما تكون تجارة قد تعطلت أو علاقة قد انتهت أو مستقبل قد تأثر.
ولهذا فإن المحاماة ليست مهنة التعامل مع الأوراق فقط؛ إنها مهنة تتعامل مع الحرية والمال والأسرة والسمعة والمستقبل، وهي أشياء قد تكون بالنسبة للإنسان حياته كلها.
لذلك، عندما يخشى البعض وجود محامٍ قوي في الطرف الآخر، فما يخشاه في الحقيقة ليس شخص المحامي، وإنما أن يصبح لكل كلمة حساب، ولكل تصرف أثر، ولكل خطأ من يراه ويعرف كيف يضعه في موضعه القانوني الصحيح.
والمحامي الحقيقي لا ينبغي أن يكون مصدر خوف لصاحب الحق، بل مصدر أمان له؛ ولا ينبغي أن يكون سلاحًا للباطل، وإنما صوتًا للقانون وضمانةً للدفاع وركنًا من أركان العدالة.
ولهذا لا تنتظر حتى تقع الكارثة لتبحث عن محامٍ ينقذك منها؛ استشره قبل أن توقع، وقبل أن تنشر، وقبل أن تتنازل، وقبل أن تدفع، وقبل أن تحول خلافًا عابرًا إلى معركة قد تغير حياتك.
فالمحامي يستطيع أن يخوض معك قضية حتى نهايتها، لكن أعظم انتصار يحققه لك أحيانًا لا يحمل رقم دعوى ولا يصدر به حكم؛ أن يحمي حريتك ومالك واسمك ومستقبلك بخطوة قانونية صحيحة في اللحظة المناسبة.
وربما لهذا يخشى البعض المحامي؛ ليس لأنه فوق القانون، وإنما لأنه يعرف جيدًا كيف يجعل القانون حاضرًا.
