أخطاء قانونية بسيطة قد تُضيّع حقك.. تامر مجدي فوزي: التكنولوجيا غيّرت قواعد الإثبات ورسالة إلكترونية قد تصبح جزءًا من نزاع قضائي

لم تعد الورقة الموقعة هي وحدها التي تحكي تفاصيل العلاقات القانونية بين الأشخاص، ولم يعد الدليل بالضرورة محفوظًا داخل ملف أو درج.
فمع التحول الرقمي المتسارع، انتقل جانب كبير من معاملات الأفراد إلى الهواتف الذكية؛ اتفاقات تتم عبر تطبيقات المراسلة، وأموال تنتقل إلكترونيًا، ومستندات تُرسل عبر الهاتف، ومحادثات وصور وبيانات قد تكتسب، عند نشوء النزاع، أهمية قانونية لم يكن أطرافها يتوقعونها لحظة إنشائها.
ويرى تامر مجدي فوزي، المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا، أن التكنولوجيا لم تغير فقط وسائل التواصل بين الأشخاص، وإنما فرضت واقعًا جديدًا على المنازعات القانونية ووسائل الإثبات، وأصبح الوعي بكيفية التعامل مع البيانات والمراسلات الإلكترونية جزءًا من حماية الحقوق.
ففي الماضي كانت النصيحة التقليدية: «اقرأ قبل أن توقّع».
أما اليوم، فقد أصبح من الضروري أن تسبقها نصيحة أخرى:
«فكّر في الأثر القانوني قبل أن ترسل.»
الرسالة الإلكترونية قد تتجاوز حدود المحادثة الشخصية
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن ما يدور عبر الهاتف يظل مجرد حديث شخصي لا أثر له خارج شاشة الجهاز.
إلا أن المشرع المصري نظم حجية الكتابة والمحررات الإلكترونية، وقرر لها حجية في الإثبات متى استوفت الشروط والضوابط التي حددها القانون.
ومن ثم، فإن التعامل مع المراسلات الإلكترونية باعتبارها أمرًا عابرًا لا يتفق مع الواقع القانوني الحالي.
وقد تتضمن المحادثة إقرارًا بواقعة، أو حديثًا عن مديونية، أو تأكيدًا لاستلام مبلغ، أو اتفاقًا على عنصر من عناصر التعامل، أو غير ذلك من البيانات التي قد تصبح محل بحث وتقدير عند نشوء النزاع.
غير أن وجود الرسالة في حد ذاته لا يعني بالضرورة أنها حسمت النزاع.
فالقيمة القانونية للمحررات الإلكترونية ترتبط بضوابط تتعلق بصحة نسبتها إلى مصدرها وسلامتها وإمكان التحقق منها واستيفائها للشروط القانونية والفنية المقررة.
ومن هنا فإن الدليل الإلكتروني لا يُقرأ منفصلًا عن مصدره وسياقه وظروف إنشائه ومدى سلامته من العبث أو التعديل.
«سكرين شوت» ليس حكمًا نهائيًا على الحقيقة
انتشرت في السنوات الأخيرة ثقافة قانونية غير دقيقة مفادها أن مجرد الاحتفاظ بصورة لمحادثة يكفي وحده لحسم أي نزاع.
والأمر قانونًا أكثر دقة من ذلك.
فصورة الشاشة قد تكون عنصرًا ضمن عناصر النزاع، إلا أن تقدير الدليل الإلكتروني يثير مسائل تتعلق بنسبة المحتوى إلى صاحبه، ومصدره، وسلامته، وسياقه، ومدى إمكان التحقق منه، فضلًا عن سلطة المحكمة في تقدير الأدلة المطروحة عليها.
وقد عالج القانون رقم 15 لسنة 2004 تنظيم التوقيع الإلكتروني والكتابة والمحررات الإلكترونية وحجيتها في الإثبات، ووضع ضوابط لاكتسابها تلك الحجية.
ومن ثم فإن العبارة الشائعة «معي سكرين شوت، إذن القضية محسومة» لا تعكس التصور القانوني الدقيق لمسألة الإثبات الإلكتروني.
التحويل الإلكتروني قد يثبت واقعة السداد.. لكنه لا يجيب دائمًا عن سببها
وتظهر الإشكالية بصورة أوضح في التحويلات المالية الإلكترونية.
فقد يكون هناك دليل على انتقال مبلغ مالي من حساب أو محفظة إلى أخرى، إلا أن النزاع الحقيقي قد يتعلق بسبب انتقال هذا المبلغ.
هل يمثل ثمنًا لمبيع؟
أم قرضًا؟
أم عربونًا؟
أم وفاءً بدين؟
أم مساهمة في شراكة؟
أم مبلغًا تم تحويله لسبب آخر؟
وهنا تظهر أهمية التفرقة بين ثبوت الواقعة المادية وبين تحديد سببها وتكييف العلاقة القانونية التي تمت في إطارها.
ولهذا فإن سهولة تحويل الأموال إلكترونيًا لا ينبغي أن تؤدي إلى إهمال توثيق التعاملات ذات القيمة أو الاحتفاظ بما يوضح سبب السداد وطبيعة العلاقة بين أطرافه.
لا تُفسد دليلك بنفسك
ومن الأخطاء التي قد تحدث عند بداية النزاع أن يتعامل الشخص بانفعال مع هاتفه ومحتواه؛ فيحذف رسائل، أو يجتزئ أجزاء من محادثات، أو يعيد إرسال محتوى بصورة تفقده سياقه، أو يسارع إلى نشر ما لديه على مواقع التواصل الاجتماعي.
وهنا يؤكد تامر مجدي فوزي أن الحفاظ على الدليل لا يقل أهمية عن وجود الدليل ذاته.
فإذا تعلق المحتوى الإلكتروني بنزاع قائم أو متوقع، فإن الأصل هو المحافظة عليه في صورته ومصدره قدر الإمكان، وعدم العبث به، ثم تحديد الطريقة القانونية المناسبة لتقديمه والاستناد إليه بحسب طبيعة كل واقعة.
امتلاك الدليل شيء.. ونشره على الناس شيء آخر
وهذه من أدق النقاط التي يختلط فهمها على غير المتخصصين.
فامتلاك شخص لمحادثة أو صورة أو معلومة لا يمنحه بالضرورة حقًا مطلقًا في نشرها أمام الجمهور.
هناك فارق جوهري بين استخدام محتوى في إطار قانوني مشروع لإثبات حق أمام جهة مختصة وبين تحويل المحتوى نفسه إلى مادة منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقد أحاط المشرع الحياة الخاصة والبيانات والمعلومات الشخصية بحماية قانونية، كما نظم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 صورًا من الاعتداء على الخصوصية باستخدام وسائل تقنية المعلومات.
ومن ثم فقد يبدأ الشخص باعتباره صاحب حق، ثم يضع نفسه في مركز قانوني مختلف بسبب الأسلوب الذي اختاره في استعمال ما تحت يده من صور أو بيانات أو مراسلات.
والقاعدة التي ينبغي الانتباه إليها هنا هي:
قيمة الدليل في أن تستخدمه في موضعه القانوني الصحيح، لا أن تحوله إلى وسيلة للتشهير أو الضغط أو الانتقام.
التكنولوجيا لم تُلغِ خطورة التوقيع
ورغم التطور الهائل في وسائل الإثبات والتعامل الإلكتروني، تظل العقود والمحررات التقليدية من أهم مصادر النزاعات.
فالتوقيع على عقد بيع أو إيجار أو شراكة أو مخالصة أو تنازل أو إقرار ليس إجراءً شكليًا يمكن التعامل معه باستخفاف.
وقبل التوقيع يجب التحقق من صفة المتعاقد، وسند التصرف، ومحل العقد، والالتزامات المتبادلة، والمقابل وطريقة سداده، والمواعيد، والجزاءات، ومدى مطابقة النص المكتوب لما اتفق عليه الأطراف بالفعل.
وهنا يشدد تامر مجدي فوزي على أن:
«أخطر ما يمكن أن يسبق التوقيع هو الاطمئنان إلى أن الثقة وحدها تكفي لحماية الحقوق؛ فالعقود لا تُكتب فقط لتنظيم العلاقة وقت الاتفاق، وإنما تظهر قيمتها الحقيقية عند وقوع الخلاف.»
صاحب الحق يحتاج إلى دليل وإجراء صحيح
فالحق المجرد وحده لا ينهي الخصومة.
وقد يكون الشخص صاحب حق من الناحية الموضوعية، لكنه يضعف موقفه بسبب إهمال إثبات واقعة، أو التأخر في اتخاذ إجراء، أو التوقيع على محرر لا يعكس حقيقة الاتفاق، أو التصرف بصورة خاطئة في دليل إلكتروني كان من الممكن أن تكون له أهمية في النزاع.
ومن هنا تبرز قيمة الوقاية القانونية باعتبارها جزءًا أصيلًا من العمل القانوني.
فدور المحامي لا يبدأ عند وصول النزاع إلى المحكمة، وإنما قد تكون أهم خدمة قانونية يقدمها لموكله هي منع النزاع قبل نشوئه، أو بناء العلاقة القانونية منذ بدايتها بصورة تحفظ الحقوق وتحدد الالتزامات بوضوح.
هاتفك أصبح جزءًا من واقعك القانوني
إن التطور التكنولوجي يفرض إعادة النظر في الطريقة التي يتعامل بها الأفراد مع هواتفهم.
فالهاتف لم يعد وسيلة اتصال فقط، وإنما أصبح مستودعًا لجانب كبير من الحياة القانونية والمالية للشخص: مراسلات، وتحويلات، ومستندات، وصور، واتفاقات، وبيانات، وتعاملات إلكترونية متعددة.
ومن ثم لم يعد الوعي القانوني مقتصرًا على معرفة ما يجوز توقيعه وما لا يجوز، وإنما أصبح يمتد إلى ما تكتبه، وما ترسله، وما تحتفظ به، وما تحذفه، وما تنشره.
ويمتد الحضور المهني لـ تامر مجدي فوزي إلى صفحته الرسمية على موقع فيسبوك، التي يتناول من خلالها عددًا من القضايا والإشكاليات القانونية التي تمس الواقع العملي، إلى جانب التعريف بأعمال المكتب ونشاطه القانوني.
الصفحة الرسمية على فيسبوك:
https://www.facebook.com/share/1P3xh8ce3y/
ويباشر مكتب تامر مجدي للمحاماة والاستشارات القانونية أعماله من مقره بمحافظة الفيوم، شارع السنترال – أمام كنفاني عبد الرسول.
ويبقى التطور التكنولوجي قادرًا على تغيير وسائل التعامل والإثبات، لكنه لا يغير قاعدة أساسية:
الحق يحتاج إلى وعي يحميه.. ودليل يثبته.. وإجراء قانوني صحيح يحافظ عليه.
لذلك: اقرأ قبل أن توقّع، وفكّر قبل أن ترسل.
