تمكين المرأة في المحليات: ضرورة ملحة لتحقيق العدالة والتنمية في صعيد مصر
✒️ بقلم : ا ندى رجب كامل

تمثل المحليات حجر الزاوية في بناء الدولة الحديثة، فهي الأقرب إلى المواطن والأقدر على ترجمة احتياجاته اليومية إلى سياسات وخدمات ملموسة، ومن ثم فإن تطوير منظومة الإدارة المحلية لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن تمكين كافة فئات المجتمع، وفي مقدمتها المرأة، التي أثبتت عبر العقود قدرتها على الإسهام الفاعل في مختلف مجالات العمل العام، بما في ذلك العمل السياسي والخدمي.
ولا يمكن إغفال أن وجود مجالس محلية فعّالة هو الضمان الحقيقي لخدمة الشارع المصري، لا سيما في الأمور اليومية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، مثل مشكلات النظافة، والإنارة، ورصف الطرق، ومتابعة المرافق والخدمات الأساسية. فالمحليات تمثل خط الدفاع الأول في التعامل مع هذه القضايا، وغيابها أو ضعفها ينعكس فورًا على جودة الحياة، خاصة في محافظات الصعيد التي تحتاج إلى تدخلات سريعة وحلول واقعية تتناسب مع طبيعة التحديات القائمة.
إن إدماج المرأة في العمل السياسي داخل المحليات لم يعد ترفًا أو مطلبًا فئويًا، بل أصبح ضرورة تنموية ودستورية تفرضها اعتبارات العدالة الاجتماعية ومتطلبات التنمية المستدامة. فالمرأة، بحكم دورها المجتمعي واتصالها المباشر بقضايا الأسرة والتعليم والصحة، تمتلك رؤية واقعية وعملية قادرة على تحسين جودة الخدمات المحلية، كما أن مشاركتها تعزز من شفافية اتخاذ القرار وتدعم آليات الرقابة الشعبية داخل المجالس المحلية.
وعلى الرغم من النصوص الدستورية والتوجهات السياسية الداعمة لتمكين المرأة، إلا أن الواقع العملي، خاصة في محافظات صعيد مصر، لا يزال بحاجة إلى تدخل تشريعي وتنفيذي أكثر حسمًا لضمان تمثيل عادل وفعّال للمرأة في المجالس المحلية. ومن هنا تبرز أهمية النص على إلزامية تمثيل المرأة بنسب واضحة ومؤثرة، مع مراعاة الخصوصية الثقافية والاجتماعية للصعيد، والعمل على تأهيل الكوادر النسائية من خلال برامج تدريبية جادة تُمكنهن من أداء دورهن بكفاءة.
كما أن تحقيق العدالة في التمثيل لا يقتصر فقط على النوع الاجتماعي، بل يمتد ليشمل التوزيع الجغرافي العادل داخل المحافظات، بحيث لا تتركز فرص التمثيل في المدن الكبرى على حساب القرى والمراكز الأكثر احتياجًا، وهو ما يتطلب وضع معايير دقيقة تضمن تمثيلًا متوازنًا يعكس الواقع السكاني والتنموي لكل منطقة، ويعطي للصعيد نصيبه العادل من الاهتمام والتمكين.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة الإسراع في إجراء انتخابات المجالس المحلية، التي طال انتظارها، لما تمثله من أهمية قصوى في إعادة تفعيل دور الإدارة المحلية، وتحقيق الرقابة الشعبية، وإشراك المواطنين في صنع القرار. فغياب المجالس المنتخبة لفترات طويلة أدى إلى فجوة بين المواطن والسلطة المحلية، وأضعف من كفاءة تقديم الخدمات، وهو ما يشعر به المواطن الصعيدي بشكل خاص، نظرًا للتحديات التنموية التي تواجه محافظات الصعيد.
إن إجراء انتخابات المحليات لا يجب أن يُنظر إليه كاستحقاق إجرائي فقط، بل كخطوة استراتيجية نحو بناء نظام ديمقراطي متكامل يقوم على المشاركة والشفافية والمساءلة. ولن تكتمل هذه الخطوة دون ضمان تمثيل حقيقي للمرأة، خاصة في صعيد مصر، بما يعكس إرادة سياسية جادة في تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص.
وفي النهاية، فإن تمكين المرأة في المحليات، مع ضمان التوزيع الجغرافي العادل والإسراع في إجراء الانتخابات، يمثل ثلاثية متكاملة لإصلاح منظومة الإدارة المحلية في مصر، ويعكس توجهًا حقيقيًا نحو بناء دولة قوية تشاركية، يكون فيها لكل مواطن – رجلًا كان أو امرأة – دور فاعل في صنع مستقبل وطنه.