منوعات

مشروع قانون الاسرة والتحول الرقمى .. هل تقترب مصر من العدالة الأسرية الناجزة

للمستشار / محمود كريشة المحامى

تشهد الساحة التشريعية المصرية حراكًا واسعًا مع طرح مشروع قانون الأسرة الجديد، الذي يحمل في طياته ملامح تحول جذري في فلسفة التقاضي داخل محاكم الأسرة، ليس فقط من حيث تنظيم مسائل النفقة والحضانة والرؤية، وإنما أيضًا عبر إدخال التكنولوجيا والتحول الرقمي كجزء أصيل من منظومة العدالة.

ولعل أبرز ما يميز المشروع المطروح هو سعيه الواضح إلى الانتقال بمحاكم الأسرة من الشكل التقليدي البطيء إلى نموذج أكثر مرونة وسرعة، يعتمد على الوسائل الإلكترونية والتقاضي عن بُعد، بما يتماشى مع توجه الدولة نحو رقمنة الخدمات الحكومية وتطوير مرفق العدالة.

فقد تضمن المشروع المقترح عدة آليات حديثة، من بينها:

* عقد جلسات الأسرة عبر الفيديو كونفرانس.
* إتاحة تقديم صحف الدعاوى والمذكرات إلكترونيًا.
* استحداث الإعلان الإلكتروني للخصوم.
* إنشاء منصة رقمية موحدة لمحاكم الأسرة.
* إتاحة بعض إجراءات الصلح والتسوية إلكترونيًا.

وهي خطوات تمثل ـ إن طُبقت بصورة فعالة ـ نقلة نوعية في طريقة إدارة النزاعات الأسرية داخل المحاكم.

إن الواقع العملي لمحاكم الأسرة خلال السنوات الماضية كشف عن معاناة حقيقية للمتقاضين؛ فبطء الإجراءات، وكثرة التأجيلات، وصعوبة إعلان الخصوم، فضلًا عن التكدس داخل المحاكم، جميعها عوامل ساهمت في إطالة أمد النزاع، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الأطفال باعتبارهم الطرف الأكثر تأثرًا بالصراع الأسري.

ومن هنا، فإن فكرة “العدالة الناجزة” لم تعد رفاهية تشريعية، بل أصبحت ضرورة اجتماعية وإنسانية. فكل يوم يطول فيه النزاع الأسري قد يتحول إلى أزمة نفسية واجتماعية للأبناء، وقد يزيد من حالة الاحتقان بين الأطراف.

ويبدو أن المشروع الجديد يحاول معالجة تلك الإشكاليات عبر استخدام الوسائل الرقمية لتقليل زمن التقاضي وتسهيل التواصل بين المحكمة والخصوم، فضلًا عن تقليل الاحتكاك المباشر داخل أروقة المحاكم.

كما أن الاتجاه نحو جلسات الصلح الإلكترونية قد يسهم في تخفيف العبء عن المحاكم وتقريب وجهات النظر بين الأطراف، خاصة في النزاعات التي يكون استمرار الخصومة فيها أكثر ضررًا من الخلاف ذاته.

ورغم ذلك، فإن نجاح هذا التحول الرقمي يظل مرهونًا بعدة عوامل أساسية، في مقدمتها:

* جاهزية البنية التكنولوجية داخل المحاكم.
* تدريب القضاة والعاملين على الأنظمة الرقمية الحديثة.
* ضمان سرية البيانات الأسرية وحمايتها.
* توفير وسائل تقنية مناسبة لجميع المتقاضين دون تمييز.
* وضع ضوابط دقيقة للإعلان الإلكتروني منعًا لبطلان الإجراءات.

كما أن هناك تخوفات مجتمعية وقانونية مشروعة من أن يؤدي الاعتماد المفرط على الوسائل الإلكترونية إلى إضعاف البعد الإنساني في بعض القضايا الأسرية التي تحتاج إلى تقدير نفسي واجتماعي مباشر من القاضي.

وفي الوقت ذاته، تشهد مواقع التواصل الاجتماعي حالة واسعة من الجدل المجتمعي حول مشروع القانون، حيث تتباين الآراء بين من يرى أنه خطوة نحو إنصاف الأسرة المصرية، ومن يعتبر أن بعض التعديلات قد تفتح أبوابًا جديدة للخلافات أو تميل لطرف على حساب آخر.

لكن المؤكد أن تطوير منظومة الأحوال الشخصية لم يعد يحتمل التأجيل، خاصة مع التغيرات الاجتماعية المتسارعة وارتفاع معدلات النزاعات الأسرية، وهو ما يفرض ضرورة وجود قانون عصري يوازن بين حماية الأسرة وتحقيق العدالة السريعة وضمان مصلحة الطفل باعتبارها الأولوية العليا.

ويبقى التحدي الحقيقي ليس فقط في إصدار النصوص القانونية، وإنما في قدرتها على تحقيق عدالة إنسانية حقيقية يشعر بها المواطن داخل قاعات المحاكم وخارجها
ويُحسب للمستشار/ محمود كريشه أنه من أوائل من طرحوا رؤية متكاملة لتطوير منظومة التقاضي الأسري من خلال إدماج التحول الرقمي داخل محاكم الأسرة، عبر مقترحات تشريعية هدفت إلى تحقيق العدالة الناجزة وتخفيف الأعباء عن المتقاضين. وقد تضمنت تلك الرؤية استحداث آليات حديثة، من بينها التقاضي عبر الفيديو كونفرانس، والإعلان الإلكتروني، وتقديم الدعاوى والمذكرات إلكترونيًا، وإنشاء منصة رقمية موحدة لمحاكم الأسرة، بما يعكس توجهًا قانونيًا معاصرًا يواكب التطور التكنولوجي ومتطلبات الواقع العملي
كما جاءت هذه الطروحات في إطار اهتمامه بتقليل مدة الفصل في المنازعات الأسرية، والحفاظ على الاستقرار النفسي والاجتماعي للأطفال، وتخفيف حدة النزاعات بين الأطراف، وهو ما جعل تلك المقترحات تحظى باهتمام واسع باعتبارها خطوة جادة نحو تحديث منظومة الأحوال الشخصية.

زر الذهاب إلى الأعلى