منوعات

قانون الأسرة الجديد بين الواقع والقانون.. بقلم الدكتور محمد صلاح الدين.

قانون الأسرة الجديد بين الواقع والقانون
بقلم الدكتور / محمد صلاح الدين
المحامى بالنقض والإدارية والدستورية العليا

يشهد المجتمع المصري منذ سنوات حالة من الجدل الواسع حول ضرورة إصدار قانون جديد للأحوال الشخصية يواكب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التى طرأت على الأسرة المصرية، خاصة فى ظل تزايد معدلات الطلاق، وتعقد النزاعات الأسرية، وكثرة القضايا المتعلقة بالنفقة والرؤية والحضانة. ومن هنا برز الحديث عن “قانون الأسرة الجديد” باعتباره محاولة لإعادة التوازن داخل الأسرة وتحقيق قدر أكبر من العدالة بين أطرافها، لكن يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع القانون وحده معالجة أزمات الواقع؟

الحقيقة أن أزمة الأحوال الشخصية فى مصر لم تكن يومًا أزمة نصوص فقط، وإنما أزمة تطبيق وثقافة مجتمعية أيضًا. فالقوانين الحالية، رغم ما تعرضت له من انتقادات، تضمنت العديد من الحقوق والضمانات، إلا أن طول أمد التقاضى، وصعوبة تنفيذ الأحكام، وتحول الخلافات الأسرية إلى ساحات صراع وانتقام، جعل الكثيرين يشعرون بأن العدالة الأسرية أصبحت بطيئة ومجهدة نفسيًا واجتماعيًا.

ومن أبرز ما يميز مشروع قانون الأسرة الجديد أنه حاول الاقتراب من الواقع العملى للمشكلات الأسرية، فلم يعد الحديث مقتصرًا على الطلاق والنفقة فقط، بل امتد إلى قضايا الاستضافة، والرؤية، والولاية التعليمية، وتوثيق الطلاق، والحفاظ على حقوق الأطفال باعتبارهم الطرف الأضعف فى أى نزاع أسرى. كما اتجهت بعض المقترحات إلى تشديد العقوبات على المتهربين من النفقة أو الممتنعين عن تنفيذ أحكام الرؤية، فى محاولة لإعطاء القانون قوة تنفيذية حقيقية لا مجرد نصوص على الورق.

لكن فى المقابل، أثار القانون حالة من الانقسام المجتمعى؛ فهناك من يرى أنه يمنح المرأة حماية قانونية أكبر فى مواجهة التعسف أو الإهمال، بينما يرى آخرون أن بعض مواده قد تُخل بمبدأ التوازن بين حقوق الأب والأم، خاصة فيما يتعلق بالحضانة والاستضافة. كما يخشى البعض من أن تؤدى بعض النصوص إلى زيادة النزاعات بدلًا من احتوائها إذا لم تُصاغ بصورة دقيقة تراعي البعد الإنسانى والاجتماعى للأسرة المصرية.

وفى تقديرى، فإن نجاح أى قانون للأسرة لا يتوقف فقط على قوة النصوص، وإنما على قدرته فى تحقيق التوازن بين “الحق القانونى” و”الاستقرار الأسرى”. فالقانون يجب ألا يتحول إلى أداة للغلبة بين الزوجين، بل إلى وسيلة لحماية الأسرة وتقليل آثار الانفصال على الأبناء. كما أن الإصلاح الحقيقى لا يقتصر على التشريع وحده، وإنما يحتاج إلى نشر الوعى المجتمعى، وتطوير آليات التسوية الأسرية، وتفعيل دور مكاتب التسوية والدعم النفسى والاجتماعى قبل الوصول إلى ساحات المحاكم.

إن الأسرة تظل هى النواة الأساسية للمجتمع، وأى خلل فى بنيانها ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الاجتماعى كله. ولذلك فإن إصدار قانون جديد للأحوال الشخصية يجب أن يكون خطوة نحو بناء عدالة أسرية حقيقية، لا مجرد تعديل تشريعى جديد يضاف إلى سلسلة القوانين. فالمطلوب اليوم ليس فقط قانونًا جديدًا، بل رؤية متكاملة توازن بين الواقع ومتطلبات القانون، وتحفظ للأسرة المصرية تماسكها وكرامتها فى آن واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى