د.مي مصطفى تكتب: الدبلوماسية الشعبية في عصر التواصل الرقمي – الأخبار

عزيزي المواطن.. هل تخيلت نفسك سفيرا، أن تعمل بالسلك الدبلوماسي دون حقيبة رسمية، وأن تمارس عملك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل أنت مؤهل لذلك بمعرفتك ببواطن الأمور وأبعادها فيما يستجد من أحداث؟ هل تدري شيئا عن المؤامرات التي تحاك في ثنايا الجدران السياسية؟ هل ستمارس هذا الدور بناء على شعورك بانتماء وطني عميق، أم ستكون محملا بآراء وانطباعات وربما تجارب شخصية، أو ربما ستكون سيئ النوايا؟ هل ستفكر في النتائج من الأساس قبل أن تضغط على زر النشر؟ هكذا تتجسد الدبلوماسية الشعبية في عصرنا الرقمي بعيدا عن صخب الدواوين الرسمية، فيصبح كل مواطن سفيرا يمتلك سلاحا ذا حدين: أحدهما يبني جسورا للثقة والتفاهم الثقافي لتعزيز القوة الناعمة لدولته، معبرا عن مواقفها وهويتها، مدافعا عن مصالحها، أو هادما لأسوار السلام بالشائعات والإساءات والانتقادات، فيساهم في إشعال التوترات وصناعة صور ذهنية مشوهة لدولته وشعبه أو دولة وشعب آخرين.
هكذا كنا نتعلم الدبلوماسية الشعبية ومبادئها.. ممارسات دولة تجاه شعب دولة أخرى بهدف بناء علاقات طويلة الأمد معه من خلال التعليم والثقافة والإعلام.. ممارسات قصدية ومدروسة، قد تأتي بثمارها، وربما قد يكون لها نتائج عكسية بتراجع سمعة الدولة وفقدان مصداقيتها إذا اكتشفت الجماهير النوايا السياسية، كما حدث مع الدبلوماسية الأمريكية بعد أحداث حرب العراق.. أتذكر حينها كنت بصدد إجراء دراسة الماجستير بالتطبيق على الإعلام الأمريكي الموجه، وكيف كان يعاني كل من يعمل بقناة الحرة حينها أو راديو سوا أو مجلة هاي، وقد يصل الأمر باتهامه بالخيانة والعمالة في حالة غير مسبوقة من الكراهية تجاه كل ما هو أمريكي في هذه الفترة بسبب اكتشاف الدعاية المضللة حول أسلحة الدمار الشامل، وأن الحرب من الأساس جاءت لأهداف أخرى غير المعلنة، مما عزز الاستقطاب والمعارضة.
لم تعد الدبلوماسية الشعبية محصورة في الممارسات الرسمية للدول نحو شعوب دول أخرى، إنما اكتسبت وجها جديدا بارزا في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحول الشاشات إلى ساحات حيوية يصنع فيها الأفراد والجماهير روابط ودية أو يخربونها بضغطة زر، فأصبح كل مواطن مشاركا في رقصة الدبلوماسية الرقمية مزدوجة الملامح، قادرا على تعزيز العلاقات أو التخلي عنها في لحظة خاطفة.
وإذا ما قمنا بتطبيقها على الحرب الإيرانية، فقد استخدمت الولايات المتحدة مواقع التواصل الاجتماعي كأحد أهم أدوات الدبلوماسية الشعبية لتشكيل الرأي العام الأمريكي والدولي، وشرح موقفها من التصعيد مع إيران وتبرير الخيارات العسكرية أو التحذيرية من خلال شن حملات متزامنة تنشر سيناريوهات توضيحية عن “الحصار النووي الإيراني” و”الخطر الصاروخي” على دول الخليج، مع تضمين روابط لتصريحات مسؤولين وبيانات رسمية لجعل الرسائل تبدو أكثر مصداقية وتأثيرا إعلاميا.
كما استفادت واشنطن من حسابات مؤثرين سياسيين وأمنيين لنقل رسائل منظمة تظهر إيران كـ “دولة مارقة” تهدد الأمن العالمي، مع تشجيع إعادة النشر والهاشتاجات الداعمة مثل #StopIranNukes أو #DefendTheRegion، مما حول النقاش العام إلى فضاء مهيأ لقبول الخيار العسكري إذا فشل التفاوض.
هذا بخلاف نشر فيديوهات عبر خاصية الـ Reels والـ Stories عن “الحياة المدنية” في إيران والقيود الأمنية، وعن قصص المهاجرين الإيرانيين أو لقطات من ضربات جوية “تجنب” الأماكن المدنية، مع توضيح أن “الهدف هو النظام لا الشعب”، ومقاطع تعرض تأييدا شعبيا في دول الخليج وغيرها للضربات الأمريكية، ليبنى خطاب “الحرب المبررة” على قصص شخصية تشارك بكثافة، ما يعد توظيفا مباشرا للدبلوماسية الشعبية الرقمية.
كما أنه خلال التفاوض تم تضمين صور لاجتماعات مغلقة لمسؤولين أمريكيين لجعل الرأي العام يشعر أن الدبلوماسية جارية، وبالتالي يحمل الجانب الإيراني وزر أي فشل في التفاوض، وإظهار واشنطن كـ “الجهة الأكثر شفافية وامتثالا للقانون الدولي” بالرغم مما قامت به من اعتداءات.
بهذا الشكل، لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات إعلامية عابرة، إنما ساحة رئيسية للدبلوماسية الشعبية الأمريكية في الحرب الإيرانية، حيث تدار الحملات بتنسيق بين المؤسسات الرسمية وشبكات المؤثرين، وتصمم الرسائل لتحول التأييد الشعبي إلى غطاء سياسي واجتماعي للقرارات الأمنية والعسكرية، إلا أنه يمكن القول إن الدبلوماسية الشعبية كانت أداة مزدوجة بيد الدولة الأمريكية، حيث دعمت ترامب عسكريا في البداية، لكنها حاولت إجباره على التراجع دبلوماسيا تحت ضغط الرأي العام.
أما إيران فقد وجهت حملات رقمية ضد الضربات الأمريكية تحت عنوان (#DeathToAmerica) لجمع ملايين المشاركات، والتركيز على “سيكولوجية العدو المشترك” لتعزيز الشرعية الداخلية رغم الانقسامات الشعبية، وهي حملات دعائية تهدف إلى تعبئة الدعم الداخلي والضغط على الخصوم. هذا بخلاف ما نشرته من مقاطع فيديو ساخرة وأفلام أكشن وألعاب فيديو تستهدف البيت الأبيض والقوات الأمريكية، محققة ملايين المشاهدات، مع التركيز على الضغط المعنوي لتعزيز غضب المواطن الأمريكي، مستغلة التردد الشعبي حول تورط أمريكا في حروب جديدة، وتوسيع قاعدة التعاطف مع خطاب إيران في الأوساط المناهضة للحروب أو المؤيدة للعدالة الدولية، رغم تعرض معظم الحسابات للحظر لاحقا كإجراء للدعاية المضادة سواء الأمريكية أو الإسرائيلية.
هذا بخلاف ما نشره البيت الأبيض من مقاطع فيديو تحاكي ألعاب مثل “Call Of Duty” تجمع لقطات حقيقية من الضربات الجوية على أهداف إيرانية مع مؤثرات بصرية تشبه الألعاب مصحوبة بموسيقى راب وشعارات مثل “نحن نفوز في هذه المعركة”. هذا الأسلوب وصف بـ “تحويل الحرب إلى ترفيه” لجذب قطاع الشباب ومواجهة الدعاية الإيرانية مباشرة. هذا يبرز تحول إيران نحو الدبلوماسية الرقمية كسلاح هجين، حتى وإن كانت الدعاية الإيرانية على السوشيال ميديا لا تغير الاتجاهات السياسية في أمريكا أو العالم بصورة جذرية، لكنها تعمق الانقسامات وتعيد تشكيل سردية الصراع في عيون جزء من الجمهور، خصوصا في فترات التصعيد العسكري الأخير.
هذا بخلاف ما يمارسه المواطنون العاديون من دبلوماسية شعبية حية وفعالة من خلال منصات التواصل الاجتماعي، فالبعض منهم يدرك ما يقول ويعي نتائجه، والبعض الآخر يساق وراء حرب إعلامية رقمية، يتراشقون بالألفاظ كالجنود في ساحة معركة افتراضية، كلماتهم محملة بعواطف جارفة تطغى على العقل والحكمة، فبدلا من أن يكونوا منارات هداية تبني جسور التفاهم، يصبحون وقودا للاستقطاب والتفرقة، وقد تؤدي منشوراتهم إلى توترات دبلوماسية بسبب نشر معلومات مضللة أو آراء متطرفة، مما يتطلب جهودا رسمية لاحتواء الأزمات. فيا عزيزي المواطن، عندما ترغب في لعب دور السفير الرقمي لدولتك من خلال إبداء رأيك على وسائل التواصل، كن واعيا مدركا لدبلوماسية الكواليس الرسمية، مشاركا في بناء صورة إيجابية تعزز الروابط والاستقرار، فكلماتك قد تتحول دون قصد إلى حرب تضليل مهلكة تشعل الفتن وتهدم الثقة. إن الدبلوماسية الشعبية تكسبنا كثيرا إذا تماشت أهدافها ورؤاها مع الدبلوماسية الرسمية، فكن صوتا حكيما يدعم وليس حجرا ثقيلا يعرقل المسيرة.
المصدر : وكالات