أهمية علم الأسانيد في العصر الرقمي: كيف حوّل حسن أبو شادي التوثيق العلمي للقرآن الكريم إلى منظومة مؤسسية متكاملة

في الوقت الذي تكتسح فيه المعلومات السريعة منصات التواصل الاجتماعي، تظل هناك علوم تقوم على “الدقة والتوثيق” كصمام أمان للهوية الإسلامية، وعلى رأسها علم الأسانيد. وفي هذا الميدان، برز اسم الباحث حسن أبو شادي، الذي استطاع بعبقرية إدارية فريدة تحويل علم السند من اجتهادات فردية إلى “عمل مؤسسي” ضخم يحاكي كبريات مراكز التوثيق العالمية.

من الجهد الفردي إلى المؤسسية: رحلة بدأت عام 2007
لم تكن بداية الرحلة سهلة، ففي عام 2007، أدرك حسن أبو شادي أن نقل القرآن الكريم والعلوم الشرعية يحتاج إلى نظام صارم يضمن صحة النقل. أسس حينها مركزاً متخصصاً في تحقيق ونشر الإجازات القرآنية والحديثية، في وقت كانت فيه الإجازات تُمنح غالباً بجهود شخصية تفتقر إلى الأرشفة المركزية.
الفكرة كانت تقوم على فحص “سلسلة الرواة” طبقة بعد طبقة، والتحقق من صحة البيانات العلمية والشخصية، وصولاً إلى السند المتصل بصاحب الرسالة ﷺ، وهو ما يتطلب صبراً وموسوعية في معرفة الرجال والطرق.
أرقام مذهلة: 400 إجازة موثقة شهرياً
تجاوز المشروع اليوم مرحلة التأسيس ليدخل مرحلة “الضخامة الإنتاجية”؛ حيث تشير الإحصائيات إلى:
-
توثيق وتحقيق أكثر من 30 ألف إجازة علمية حتى الآن.
-
معدل إنجاز يومي يتراوح بين 15 إلى 20 إجازة.
-
توثيق ما يزيد عن 400 إجازة شهرياً لطلاب ومجازين من مختلف قارات العالم.
وتستحوذ الإجازات القرآنية على حصة الأسد بنسبة 90% من إجمالي العمل، بينما تتوزع النسبة المتبقية بين إجازات الحديث الشريف والمتون العلمية والعلوم الشرعية، مما يثبت أن “ثقافة السند” لا تزال حية ونابضة رغم تطور أدوات التعليم الحديثة.
منهجية التحقيق: أكثر من مجرد “ورقة شهادة”
يؤكد الباحث حسن أبو شادي أن عمله ليس مجرد “أرشفة ورقية”، بل هو تحقيق علمي دقيق. يشمل العمل مراجعة “طرق التحمل والرواية”، والتأكد من سلامة السند من الانقطاع أو الإدراج. وبفضل نظام أرشفة متطور بناه على مدار سنوات، أصبح بإمكان المركز الرجوع إلى بيانات أي شيخ أو طالب في أي سنة مضت بكل سهولة ويسر.
ومنذ عام 2014، يشغل أبو شادي منصب رئيس قسم الأسانيد والإجازات القرآنية لدى مراكز المعصراوي (تحت إشراف شيخ عموم المقارئ المصرية الأسبق)، مما أتاح له متابعة حركة الإقراء عالمياً والتعامل مع آلاف الطلاب من مختلف الجنسيات.
حماية الهوية في عصر التعليم الرقمي
يرى أبو شادي أن أهمية مشروع الأسانيد تضاعفت مع انتشار التعليم الإلكتروني؛ ففي حين أصبح من السهل نشر أي محتوى، تظل المعضلة في “إثبات صحة الطريق”. السند في نظره ليس مجرد أسماء، بل هو “علاقة حية” تمتد عبر القرون، والحفاظ على دقة هذه السلسلة هو حماية لمصداقية التعليم القرآني من الدخلاء أو الموهمين.
لقد نجح حسن أبو شادي في جعل “السند” جسراً يربط بين أصالة الماضي وتقنيات المستقبل، ليظل القرآن الكريم منقولاً “بالتواتر” وبأعلى معايير الجودة العلمية.