كل التفاصيل

د. وليد سيف يكتب: ناهد صلاح ومسارات هيام عباس “بين الفن والهوية” – الأخبار

كرم مهرجان القاهرة السينمائى الدولى فى دورته  الأخيرة عددا عدد من كبار الفنانين السينمائيين فى مختلف مجالات الفن السابع, منهم المخرج الكبير محمد عبد العزيز الذى يعد حاليا كبير المخرجين المصريين وصاحب الرصيد الضخم من الأعمال، ومدير التصوير السينمائى محمود عبد السميع الذى يعد واحدا من كبار مؤسسى التيار الجديد فى الصورة السينمائية وأحد أهم رموز الجيل الثانى من أساتذة التصوير، والممثل خالد النبوى صاحب التجربة التمثيلية العريضة والتميز الشديد فى أدائه لأدوار ستظل خالدة فى تاريخنا السينمائى.

من خارج مصر يأتى اختيار الفنانة النجمة الفلسطينية هيام عباس كتقدير مستحق لمشوارها الرائع فى السينما العربية والعالمية ولتجربتها الكبيرة كصانعة أفلام لديها إسهاماتها المهمة فى مختلف مجالات الفن السينمائى، وأيضا لكونها صورة مشرفة لفنانة فلسطينية عربية حريصة على التأكيد على هويتها فى معظم الأعمال التى شاركت فيها، ولم تستسلم لأفلام الدعاية الغربية التى تروج لصورة نمطية مزيفة عن الشخصية الفلسطينية.

تولت الناقدة صاحبة الأسلوبية المتفردة ناهد صلاح تأليف كتاب تكريم هيام عباس ووضعت له عنوان هيام عباس (تلك الممثلة وهذه الفلسطينية، قراءة فى مسارات نجمة بين الفن والهوية)، حيث وظفت ناهد فى هذا الكتاب ثقافتها السياسية ووعيها الشديد وإيمانها بعدالة القضية الفلسطينية فى تعريفنا بمسارات النجمة، هذا إلى جانب ثقافة الناقدة الواسعة فتقدم قراءة نافذة وتحليل عميق لأعمال هيام السينمائية، لتحقق بذلك توازنا بين جانبى الموضوع، وهو التوازن الواجب مع فنانة تتميز بهذه الشخصية المتميزة والملامح الواضحة.

يحتوى الكتاب على أربعة أبواب، يبدأ بمقدمة بعنوان مرايا هيام حيث تعرفنا كيف أمكن للناقدة الدخول إلى عالم هيام والزوايا العدة لتناولها واستبصارها، تنتقل بعد ذلك إلى أبواب الكتاب،  حيث ينقسم كل باب إلى عدة فصول ومحاور، تبدأ بما يمكن اعتباره سردا للسيرة، لكن أسلوب ناهد المتقدم المتطور فى الكتابة لا يلجأ للسرد التقليدى، فهى تستهل هذا الفصل بعنوان” من الجليل إلى هوليوود.. امرأة تمشى فى الحكايات” متحدثة عن فيلم باى باى طبريا الذى أخرجته لينا سويلم إبنة هيام وكتبته مع نادين ناعوس وجلاديوس جوجو فى عام 2023، لتعتبره مدخلها للتعرف على الشخصية التى تصفها بالمتحررة من الأوهام لكنها تجنح الى أرض نبتت عليها أصل الحكايات. 

تنتقل الكاتبة من أصل الحكايات الى هذا التحول المفصلى فى حياة وفن هيام من التصوير إلى المسرح، حيث يبدأ إدراكها للفنون، ترى الكاتبة أن القراءة كانت مدخلها، وربما كانت سندا لها فى تفوقها الدراسى، تعتقد أن القراءة كانت علامتها الفارقة التى دلتها على الحياة بوصفها معنى عميقا قد يصرف عنها كل الحزن المحتشد حولها، وأنها أيضا حفزتها للمشاركة فى أنشطة ثقافية مختلفة.

فى محور تال تكشف ناهد عن هيام عباس كظل للوطن على الشاشة ووجه للوطن فى المنفى، ثم تلجأ إلى أسلوب المقارنة والمراجعة التاريخية وهى تستعرض تجارب النجوم العرب فى مسارات العالمية واصفة اياها بالتراجيدية, لكى تكشف من خلال هذه المفارقة عن الفارق الكبير بين هيام والآخرين. 

فى الفصل الثانى المعنون فلسطين والسينما.. أفلام تصوغ الذاكرة، تواصل ناهد من خلال أسلوبها المنهجى المقارن، وهى تواصل استكشاف شخصية هيام مؤكدة على  إن شخصيتها الوطنية ليست نابعة فقط  من مجرد عاطفة قوية، لكنها تشكلت بناء على ثقافة واسعة ورؤية عميقة للحياة، وهى التى قالت” قد يكون تاريخك وذاكرتك أمرا شخصيا فى البداية، لكننا علينا أن نتمسك بأننا جزء من الجماعة، وهى ترى أنه من خلال السينما يمكننا أن نرفع أصواتنا، والقول أننا موجودون بطريقتنا، وليس كما يريدنا الآخرون.” 

تتوالى فصول الكتاب ومحاوره، امرأة من فلسطين.. جرح فى الهوية أم هامش للحياة.. الممثلة الأصل والظل.. الجرأة خلف الواقع المكسور.. من التمثيل الى الكتابة والاخراج الإيقاع واحد.

تكشف ناهد فى كتابها الأقرب للدراسة البحثية بلغة أدبية رشيقة جذابة عن هذا الامتزاج التام بين شخصية هيام عباس وإبداعها، لتتكامل صورة فنانة امتلكت الثقافة والموهبة والخبرة الفنية والحياتية والثقة بالذات لتحقق هذه المسيرة الفنية والانسانية الرائعة. 

تنهى ناهد كتابها بدراسة نقدية عن أربعة أفلام وهى حيفا وباب الشمس والجنة الآن وغزة مونا مور، تتوصل من خلالها إلى أن هيام عباس واحدة من أبرز الفنانات اللاتى جمعن بين العمق الفنى والقدرة على التجسيد الفنى لشخصيات متنوعة، ما يجعلها رمزا للإبداع والتجديد فى المشهد الفلسطينى. 

لا تغفل ناهد صلاح عن أن تذيل كتابها بالجانب التوثيقى بفيلموجرافيا لهيام عباس بكل انشطتها الفنية من إخراج وإنتاج وتمثيل سينمائى ودرامى، كما تلحقه بملف للصور ومصادرها ومراجعها الغزيرة التى تعبر عن بحثها الدؤب ورجوعها للكتابات المتخصصة المتصلة بموضوعها لتحيط به إحاطة كامل.

يعد الكتاب تكريما يتناسب مع القيمة الفنية لهيام عباس، كما أن التكريم فى حد ذاته من مهرجان القاهرة يأتى ضمن تضامن عالمى مع القضية الفلسطينية، كما يأتى اختيار ناهد صلاح للكتابة عن هيام اختيارا نموذجيا، فهى من نقادنا المتميزين المتمكنين من رصد السير الذاتية لكبار الفنانين, وتحليل أعمالهم بدقة وموضوعية، وأسلوبية خاصة متميزة.

المصدر : وكالات

زر الذهاب إلى الأعلى