مكاتب العمل بين التوثيق والرقابة
كيف تحوّلت الاستقالة إلى إجراء تحت نظر الدولة؟
قراءة قانونية في الكتاب الدوري رقم (17) لسنة 2025
بقلم: هند عمر شاذلي
محامية متخصصة في قانون العمل والتأمينات الاجتماعية
باحثة في التشريعات العمالية
لم تعد مكاتب العمل مجرد جهة لتلقي الشكاوى أو اعتماد بعض الأوراق الإدارية، بل أصبحت، في ضوء التنظيمات التنفيذية الأخيرة لقانون العمل رقم 14 لسنة 2025، طرفًا فاعلًا في ضبط العلاقة بين العامل وصاحب العمل.
ويأتي الكتاب الدوري رقم (17) لسنة 2025 مثالًا واضحًا على هذا التحول، إذ أعاد رسم دور مكاتب العمل في واحدة من أكثر المسائل حساسية، وهي اعتماد استقالة العامل
من التوقيع إلى الاعتماد الرسمي
قبل هذا التنظيم، كانت الاستقالة في كثير من الحالات تُقدَّم وتُستخدم كواقعة منتهية، دون رقابة حقيقية على ظروفها أو سلامة إرادة العامل عند تحريرها.
أما الآن، فقد تحوّلت الاستقالة إلى إجراء رسمي لا يُعتد به إلا بعد اعتماد مكتب العمل المختص، بما يشمل:
• التحقق من شخصية العامل أو وكيله
• اعتماد الاستقالة بخاتم شعار الجمهورية
• إثبات تاريخ الاعتماد بشكل قاطع
وبذلك خرجت الاستقالة من نطاق العلاقات الخاصة إلى دائرة التنظيم العام.
سجل الاستقالات… رقابة قبل النزاع
ألزم الكتاب الدوري مكاتب العمل بإمساك سجل خاص للاستقالات المعتمدة، يتضمن بيانات دقيقة عن:
• العامل
• صاحب العمل
• تاريخ تقديم الاستقالة
• تاريخ انتهائها
• حالات العدول إن وُجدت
هذا السجل لا يمثل مجرد إجراء بيروقراطي، بل يشكّل ذاكرة قانونية رسمية تُستخدم عند النزاع، وتمنع التلاعب في التواريخ أو الوقائع.
دور وقائي قبل التقاضي
اللافت في هذا التنظيم أن دور مكتب العمل لم يعد لاحقًا للنزاع، بل سابقًا عليه.
فمتى تم اعتماد الاستقالة وفق الضوابط:
• تقل احتمالات الادعاء بالإكراه
• يُحسم تاريخ انتهاء علاقة العمل
• تتوحّد المستندات أمام المحكمة
وهو ما يخفف العبء عن القضاء، ويقلل من المنازعات التي تنشأ بسبب الغموض أو سوء التوثيق.
⸻
رقابة لا تنتقص من حرية العامل
قد يُثار التساؤل حول ما إذا كان هذا الدور الرقابي ينتقص من حرية العامل في الاستقالة.
غير أن قراءة الكتاب الدوري تؤكد العكس.
فالرقابة هنا:
• لا تمنع الاستقالة
• ولا تؤخرها بلا سبب
• لكنها تتحقق من سلامة الإرادة
وهو جوهر الحماية التي استهدفها قانون العمل الجديد.
قراءة أخيرة
الكتاب الدوري رقم (17) لسنة 2025 يعكس توجهًا تشريعيًا واضحًا نحو تعزيز الدور الوقائي لمكاتب العمل، باعتبارها حلقة الوصل بين النص القانوني والتطبيق العملي.
فالاستقالة لم تعد مجرد ورقة يوقعها العامل، بل إجراء يخضع للتوثيق والرقابة، بما يحقق توازنًا حقيقيًا بين حماية العامل واستقرار المنشأة، ويُعيد الثقة في الإجراءات قبل أن تتحول إلى خصومة قضائية.
✍️ هند عمر شاذلي
محامية متخصصة في قانون العمل والتأمينات الاجتماعية
باحثة في التشريعات العمالية